الشيخ محمد هادي معرفة
127
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
تعرف ذلك ، ولاتجهل مقاييس الشعر وموازينه ، إذا فلماذا نسبته إلى الشعر تارة ، وإلى السحر أخرى ؟ إنّ هذا لسرٌّ عجيب ! كانت العرب تعرف أنّه ليس بشعر ولا بسحر ، وقد شهد بذلك كُبراؤهم وزعماؤهم في الفصاحة والبيان . غير أنّهم لمسوا فيه إناقة الشعر وروعته الخلابة ، ووجدوا فيه تأثير السحر ونفاذه في مسارب القلوب . فإذ لم تُذعن بأنّه كلامُ اللّه العزيز الحميد ، استكبارا وعنادا مع الحقّ الصريح « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا » « 1 » لجأت إلى الافتراء وقول الزور « فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ » . « 2 » * * * والسجع : يطلق على طراز بلاغيّ خاصّ ، تستخدم فيه فقراتٌ قصيرة ذات كلمات مقفّاة ، إلّا أنّه مع هذا متميّز عن الشعر بأنّه غير خاضع لقافية واحدة ولا لوزن خاصّ . ولعلّ السجع أول أسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة . وهذا الأسلوب من التعبير ، كثيرا ما كان الكهنة يستعملونه في نبوءاتهم أيام الجاهلية . وإن كان هو الشايع أيضا بين الخطباء وأرباب الحكم من العرب الأوائل . « 3 » واشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهّان والكواهن ، أقدمهم شقّ وسطيح ، وحكاياتهما أشبه بالخرافات منها بالحقائق . « 4 » ومن الكهّان الذين نبغوا قُبيل الإسلام : خناخر بن التوام الحميري ، وسوادبن قارب الدوسي . وفيهم من يُعرفون بما ينسبون إليه من البلاد أو القبائل ، كقولهم : كاهن قريش وكاهن اليمن وكاهن حضرموت وغيرهم . ويقال نحو ذلك في العرّافين « 5 » وأكثرهم يُنسبون إلى بلدانهم وقبائلهم ، كعرّاف هذيل وعرّاف نجد ، وأشهرهم عرّاف اليمامة .
--> ( 1 ) - النمل 14 : 27 . ( 2 ) - يونس 32 : 10 . ( 3 ) - دائرة المعارف الإسلامية ، ج 11 ، ص 295 . وراجع : تاريخ الآداب العربية لجرجي زيدان ، ج 1 ، ص 210 - 212 . ( 4 ) - زعموا أنّ شقّا كأن شقّ إنسان نصفه بيد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة . وأنّ سطيحا كان لحما يطوى كما يطوى الثوب لأعظم فيه غير الجمجمة ووجهه في صدره . وزعموا أنّ هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون . . . إلى غير ذلك من الأوهام . ( 5 ) - الفرق بين الكهانة والعرافة : أنّ الأولى مختصّة بالأمور المستقبلة ، والعرافة بالأمور الماضية . وكلاهما تنبّؤ واستطلاع للغيب .